الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

87

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

في الدنيا منزلة العدم لضالة أمره بعد أن نزلوا منزلة من ينتظرون فيما ينتظرون الساعة لأنهم لتحقق حلوله عليهم جديرون بأن يكونوا من منتظريها . و أَنْ تَأْتِيَهُمْ بدل اشتمال من الساعة . و بَغْتَةً حال من الساعة قال تعالى : لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [ الأعراف : 187 ] . والبغتة : الفجأة ، وهو مصدر بمعنى : المرة ، والمراد به هنا الوصف ، أي مباغتة لهم . ومعنى الكلام : أن الساعة موعدهم وأن الساعة قريبة منهم ، فحالهم كحال من ينتظر شيئا فإنما يكون الانتظار إذا اقترب موعد الشيء ، هذه الاستعارة تهكمية . والفاء من قوله : فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فاء الفصيحة كالتي في قول عباس بن الأحنف : قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا * ثم القفول فقد جئنا خراسانا وهذه الفصيحة تفيد معنى تعليل قرب مؤاخذتهم . والأشراط : جمع شرط بفتحتين ، وهو : العلامة والأمارة على وجود شيء أو على وصفه . وعلامات الساعة هي علامات كونها قريبة . وهذا القرب يتصور بصورتين : إحداهما أن وقت الساعة قريب قربا نسبيا بالنسبة إلى طول مدة هذا العالم ومن عليه من الخلق . والثانية : أن ابتداء مشاهدة أحوال الساعة يحصل لكل أحد بموته فإن روحه إذا خلصت عن جسده شاهدت مصيرها مشاهدة إجمالية وبه فسر حديث أبي هريرة مرفوعا « القبر روضة من رياض الجنة أو حفر من حفر النار » رواه الترمذي . وهو ضعيف ويفسره حديث ابن عمر مرفوعا « إذا مات الميت عرض عليه مقعده بالغداة والعشي فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ثم يقال : هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه يوم القيامة » ونهاية حياة المرء قريبة وإن طال العمر . والأشراط بالنسبة للصورة الأولى : الحوادث التي أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنها تقع بين يدي الساعة ، وأولها بعثته لأنه آخر الرسل وشريعته آخر الشرائع ثم ما يكون بعد ذلك ، وبالنسبة للصورة الثانية أشراطها الأمراض والشيخوخة . فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ .